أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
439
العمدة في صناعة الشعر ونقده
- قال أبو الحسن الرماني « 1 » : الاستعارة استعمال العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة ، وذكر قول الحجاج : إني أرى رءوسا قد أينعت ، وحان قطافها . - وقد يأتي القدماء من الاستعارة « 2 » بأشياء يجتنبها المحدثون ، ويستهجنونها ، ويعافون أمثالها ظرفا ولطافة ، وإن لم تكن فاسدة ولا مستحيلة ، فمنها قول امرئ القيس « 3 » : [ المتقارب ] وهرّ تصيد قلوب الرّجال * وأفلت منها ابن عمرو حجر فكان لفظة « هرّ » واستعارة الصيد معها مضحكة هجينة ، ولو أن أباه « حجرا » من فارات بيته ما أسف على إفلاته منها هذا الأسف . وأين هذه الاستعارة من استعارة زهير حين قال يمدح « 4 » : [ البسيط ] ليث بعثّر يصطاد الرّجال إذا * ما كذّب الليث عن أقرانه صدقا « 5 » لا على أن امرأ القيس أتى بالخطإ على جهته ، ولكن للكلام قرائن تحسّنه ، وقرائن تقبحه ، كذكر الصيد في هذين البيتين . - ولعل معترضا يقول : العرب لا تعرف إلا الحقائق ، ولا تلتفت إلى كلام السّفلة ، فقد / قدّمت هذا في أول كلامي ، وعرفت أنه لا يلزم ، ولكن يرغب عنه فيما « 6 » بعد ، ألا ترى أن بعض الوزراء - وقيل : بل هو المأمون نفسه « 7 » - غيّر « المسلحة » ، واستهجنها ؛ لما فيها « 8 » ، فقال : قولوا : « المصلحة » ، وليس ذلك لعلة إلا موافقة كلام السّفلة .
--> ( 1 ) النكت في إعجاز القرآن 85 وفيه : « الاستعارة تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة . . . » وليس فيه الشاهد ، وقد أشار المحقق إلى ذلك في الزيادات 175 ( 2 ) في المطبوعتين والمغربيتين : « الاستعارات » . ( 3 ) ديوان امرئ القيس 155 ( 4 ) ديوان زهير 54 ، وانظر ما قيل عن البيت في نقد الشعر 71 ، والموازنة 1 / 17 و 289 ، والصناعتين 312 ، وسر الفصاحة 194 وسيأتي البيت في ص 805 كذّب : لم يصدق الحملة . وعثّر : بلد قبل تبالة ، وهي باليمن [ من الديوان بتصرف ] . ( 5 ) في ف : « ليس بعثر . . . » [ كذا ] ، وفي الديوان : « إذا ما الليث كذّب عن . . . » . ( 6 ) في ف والمطبوعتين : « . . . عنه في الواجب » ، وما في ص يوافق المغربيتين . ( 7 ) قوله « نفسه » ساقط من ف والمطبوعتين والمغربيتين . ( 8 ) قال محقق م في الهامش : « المسلحة : موضع السلاح ، وهي أيضا الثغر : أي الموضع الذي يخاف أن يأتي منه العدو ، وإنما كره لفظها ؛ لأنه يأتي من السّلاح - بضم السين - وهو التّغوّط » .